ليال بعد الألف..

                                           العاصمة ـ عنابة ، سنة 2002
....   نافذة تطل علـى زمن آخر .. الزمن .. هذا البعبع الذي كنت أزعم أني سأسبقه لأختصر أحلامي .. شبابي، وسنوات عمري ، لست أدري لماذا أراه اليوم غير مارأيته في تلك البقاع الساحرة و كأنه يعاندني، ويطيل مساحة حزني، عندما سمعت صوت محرك القطار المتجه إلى عنابة ،أحسست أني أودع الدنيا لغير لقاء ولارجعة  ، هاهو تحرك من مكانه … وأخيرا تحـرك فهمي على المسلك الذي ينبغي .. أخيرا …
        وانفرطــت من عيني دمعتان كبيرتان لم أستطع حبسهما، … لا … إنها حارة و موجعة ، ربما تكون دموع الفراق كما يقولون، لكن لم أبكي رحيلا كان اختياري أصلا ؟ فأنا من اختار الرحيل، بل أبكي لأن الزمن  أجبرني عليه، وجعلني أتعاقد معه هذا العقد النهائي...
أعترف أني استسلمت لقلبي كثيرا  وكانت فلانة وعلانة أملا محترما في عروقي ، ولم أصدق أن أحببت كل هؤلاء  تحت جناح والدتي المحترمة..
         في القطار أرى كل واحد من هؤلاء الجالسين والواقفين يحمل أملا في نفسه يريد تحقيقه على أرض لاتحقق للكثيرين إلا القليل ، وهذا القليل  نفسه لايغني ولايسمن من جوع ، ولكن لم الكل مصمم على التجربة ، لم الكل واثق بالوصول ، هكذا كانت مخيلتي تحدثني ولم أكن أحب أن أفكر ولكن ليس هناك غير التفكير يمكنك أن تشغله في ذلك السفر الليلي وعلى أنغام حديد السكك وأزيز القطار ، ومن غير الممكن أن تنام واقفا أو تستلقي فتصير وسادة لمرهق أو مرصدا للص ، وكان علي أن أصبر فأفوز بجلسة على كرسي مسافر نزل قبلي ، وليس ذلك متاحا فكل واقف قد لزم صاحبه وأوصى بالمقعد بل وبات متكأ ينتظر المحطة الموالية .
         تحتفظ مخيلتي بالكثير من الذكريات التي يمكنني أن أستلذ بالتفكير فيها ، وليس أمامي إلا تقاطيع العتب على تصرفي وعجلتي ، لقد رحلت في غير ساعتي وفي غير زمني ، كان الأحرى بي أن أنتصر على إصراري في ترك عشيرتي وموطني ،  أرى وجه أمي يطل من خلال النافذة وهو يحمل عتابا قاسيا ، حسنا ، لامفر من التجربة ...
        لقد أهملونا وتركونا كاليتامى يسحق بعضنا بعضا على تحقيق أحلام عابرة لاتتحقق ، أه منك يا وطني ، كنت وطني ومنك وجعي وألمي ، أأنا الذي يترك تلك التلاع وذاك الجمال ، أأنا من يبدل وجه أمه بالدنيا ، أأنا ... انتبهت من تفكيري  لأجد الركاب في هرج ومرج، توقف القطار ليلا استفسرت عن الأمر فقيل لي هناك عطب ينبغي إصلاحه ، الحمد لله ليس الإرهاب ، هكذا دنياك وبعض الشر أهون من بعض ..                                                                                                                                                                                                                                             


تعليقات

المشاركات الشائعة