الأحزمة المحترقة .



      قال : ضع حزام الأمان من فضلك..

      كنا لحظتها في طريق المستشفى  ، وعادة لم اكن لأنسى وضع حزام  الأمان في السفريات البعيدة ، مع استغرابي في الداعي له داخل المدينة ، وهنا قلت : لعله على الأقل يجعلك تعرف قدرك فالمسكين من يضعه ، يجيب السائق : ليست المشكلة في الحزام تضعه أو تدعه ، وإنما أن توقفك شُرطية بَدل رجل ، قالها و سكت.. كأنه تمنى لو أتكفل له بالموضوع ، وأناقشه بمعرفتي ، وعرفت أنه لا يعرفني جيدا فرأى من غير اللائق أن يذم وضعا قد يكون لي فيه صلة ، وفهمْته فقلت : صحيح حقا كل ما قلت فاطمأن ليقول : مسخرة" وجود شرطية في بلد عربي مسلم مسخرة..وأظهر لي بامتعاض علامة الخيبة ، كأن أحدا قام باستفزازه ، ولا يريد تذكر الحادث المستفز لدرجة زهده في الخوض في الموضوع أو "الممنوع" بتلقائية عارمة ، ثم اكتفى قائلا  : الله يرحم الشهداء وهي كلمة بقدر مافيها من محمدة فهي دليل على ذهاب زمن الجيل الأصيل . وقد استغربتُ أنه لم ينشرح للشكوى ، ثم اتضح لي بأنه رأى مالم أر أمام عمود حركة المرور ..شرطية في الطريق وعلى الجانب شرطيان ..

        عبرنا منطقة الضوء الأخضر فقال : هل لاحظت تلك الشرطية ، فنظرت إليها ، قال قبل أيام  نسي الراكب مكانك حزام الأمان ، واستوقفتني هنا.إسمها حسيبة ..قالها متنهدا ليضيف : والله سقت لها الدراويش والأولياء وتشفعت بالعزيز عندها ، قالت كلمة ..لاأدري ، ماذا تقول ؟..ربي وكيلها ..وسحبت مني رخصة السياقة لولا الوجوه الأصيلة أمثالك ووو...

         قلت : لا يمكن للعولمة أن تصنع الفضيلة، فالأفضل عندها هو أسوأ ما يغشى بلدنا اليوم ، فأنت أو راكب سيارتك مخطئ والشرطي مخطئ نحن نكرر نفس الخطأ الذي قرأنا عنه جيدا بأنه محيق ..نظر جهتي ، لم يفهم  وتأمل في محفظتي المفتوحة كتابا أُعدّه للمسافات الطويلة ، فبان له أن لا يأخذ في موضوع قد يخطأ في الحكم فيه أمامي كمثقف بدوت له حينها..

     درجت بُعيد أمتار على الرصيف ، وواصل صاحبي مسيره ، وكانت وجهتي محلا قريبا فقط ،  وتذكرتُ ما أوصوني من مقتنيات ، ولكن بقي من نظرتي الأولى للشرطية شيء .وعاودتني الرغبة في رؤيتها مجددا ، فإذا أنا أنظر إليها هناك  تحادث  مسئولا  كبيراً في الأمن ..وحين اقتربت منها ظهرت شابة في سني عمري تقريبا .. عليها مسحة من الجمال ، ونظرت إلي ، وسألت نفسي أين رأيتها من قبل ؟  وتغلغلت في الذاكرة أفكر فاصطدمت بالشاب أمامي ، أه  ..دخلنا في زحمة السير من جانب واحد قال لي :معذرة ، واعتذرت له ...

     رأيتها كأنها ابتسمت من صدمتي تلك .أومأت إليها بأننا جميعا نسوق بلا أحزمة امان .ولم يكن هذا دافعا لي إلى الإقتراب  بقدر ما كان هناك إلحاح في أعماقي بأني أعرف الشرطية هذه ، كالذي استفاق من نوم ولا يذكر الحلم الرهيب إلا بعد تطابق المشهدين في الحلم والحقيقة  ، ولعلها ذكرت ذلك مني ، فهي تنظر ولازالت وكأنها تعرفني ..

        تجرأت وقصدتها.. وبعد أن حييتها وتمنيت لها يوما جميلا وكان المسئول قد غادر قلت : معذرة ..هل تقابلنا من قبل ؟ تأملت حواليها ثم قالت بتغنج :  ما اسمك ؟ فذكرت اسمي ، بدا الإسم مألوفا عندها ولكن لم تتذكر. فقلت .و..ما اسمك انت ؟ قالت : حسيبة ــ ـ حسيبة ... اسمها بالكامل ...قلت محاولا إخفاء دهشتي : نعم عرفتك ، لقد درسنا معا في الفصل  بثانوية المتقن الجديد في قسم واحد سنة 93.أليس كذلك ؟.

        أشرق وجهها إشراقة عميقة ، ولانت حدة هيئتها  فسكتت لحين ثم سألتني عن حالي وأوضاعي ورأيتها محرجة فودعتها وافترقنا ..

         أعرف أنها تأثرت كثيرا وكان علي الإحتفاظ  بماتبقى من شخصيتي وذاكرتي لاقتناء الموصى به من قبل عائلتي ، وما إن أخذت طريق بالول  حتى انطرحت في الذكريات ، ولم استطع القراءة ، كنت أكرر الجملة نفسها مرات ومرات ، لأطوي الكتاب وأستسلم للأحلام الهنيئة .أقول في خلدي ـ غير لجبال اللي مايتلاقاوش ـ

            كان محمد الملقب بن ...  ، شابا مراهقا ، عرفته أيام المتوسطة منطويا على نفسه خلوقا متدينا ، توطدت علاقتي به في مرحلة الثانوي ، حيث مناخ الغربة الصغيرة  في الداخلية  يؤلف بين المتجانسين في النظرة والهدوء ، ثم تآلفنا بطريقة طبيعية باجتماعنا في مسجد المتقنة ، وتأديتنا الجمعة في مسجد الأمير عبد القادر ، كان ذلك سنة 93  .

      كل شيء بدا يتغير  ، كان التغيير حينها معدّاً مسبقاً للانقضاض على الوضع القديم  في كل شيء حتى في التدين ، والمعاملة ، لقد شاع في الأفق شبح حرب فكرية عقائدية ، وكان علينا الهدوء والترقب ، و لا أعتقد أن هناك مجالاً واسعا لعبت فيه الحرية الاقتصادية،والنقدية لعبتها في بلد محافظ كما عايشت لحظتها .ولأول مرة أصبح بإمكان أي كان أن يسب رئيس الدولة من على منابر الجمعة ، إذن لن يطول بي المقام أكثر ، وذلك ما فكرت به ، وكنت أعرض الأمر على صديقي فأتعرض للنقد من قبله ، في لحظة أحسست أنه  أصبح هو مشدودا الي أكثر ،فأنا الشخص الوحيد الذي يثق به ويحادثه ويخفف عنه ، واكتشفت أنه مهموم جدا جدا ، فمن جهة ربط نفسه بمشروع إقامة دولة دينية كما يصورونها لنا في محاضرات المسجد ، وسر آخر زاده هما لم يفصح لي عنه إلا بعد بلوغه درجة كبيرة من الثقة بي ، وصار لا يستطيع الكتمان من جانبه ..

       لقد تعلق بحسيبة ، الفتاة الجميلة الراقية ، أذكر وقتها أنها كانت محبوبة الجماهير والكل يرغب في الحديث اليها ولكنها متحفظة ، وتنتمي إلى بيت عريقة ، وأبوها من أثرياء البلد ، والذي أثار دهشتي : كيف تعلق بها محمد بن .. الشاب المتدين .؟

       أذكر لحظتها أنه كان يعاني من سخرية زملائنا بالدراسة بمظهره وملابسه ولهجته العتيقة حين يسأله الأستاذ ، وتأثر كثيرا ، واستمرت معه هذه المعاناة بالرغم من أن مستواه الدراسي كان يفوق به الجميع ،  وخصوصا في الرسم الصناعي ، وأكمل الدراسة بصعوبة بالغة، وكان في بادئ الأمر يخفي شكواه عني لعلاقتي الجيدة بالساخرين منه، ولما وجدني أحترمه ونصلي معا أحبني وأفرغ قلبه لي..

       لم تكن حسيبة بالمرأة العادية ، فكل تصرفاتها زيادة لها في التفرد والتخصص ، وتميزت عن غيرها بأنها ممن لا تتقن ملامحهم إلا ان تبدو مبتسمة ضاحكة مشرقة فاتنة ، وحين قُسمنا إلى أفواج في الورشة ، إختارت هي الفوج الذي فيه محمد تصريحا ، لعلمها بتفوقه في المادة ، وبرغم تحفظه وتشدده لم يستطع مقاومة هذا الاصطفاء الصريح منها ، وزاده اهتمامها بعروضه وشروحه هياما وهياما ، في الوقت الذي رأيته يدعو الله أن يوفقه إليها زوجة صالحة ، لقد تعلق بالصلاة أكثر وأكثر ، وتعلق بي مثل ذلك ، فيحب ان يسمع الحديث عنها وكنت أتحاشى ذلك ما استطعت  وتوالى أنينه  وزاد تعجبي منه وإعجابي به ..

       وذات يوم ألح علي في مصارحتها بدله ، فاعترضت عليه بدافع الخوف من رفضها له ..و أن الأمر سابق لأوانه ، وحين رأيته مصرا وكئيبا وزاد أن  قال لي بأدب جريح  أن أنتظر معه في القسم بعد انصراف البقية للساحة و إستنظارها ..ولن يكون إلا خير إن شاء الله ..لم أعرف ماذا أقدم أو أؤخر. لازمت مقعدي ورأيته يوُصل إليها ورقة يطلب منها البقاء ، و وجدتُ نفسي أتخيل فقط موقف أخي مني ، وأنا أنصرف معه  مطرودا من الثانوية كلها ..اللهم سترك .

       ظنت المسكينة أنها  مسألة متعلقة بالدروس ، فانتظرت وهي مرتابة تنظر إلي ، ثم دخل  بعد ان أمّن الدهليز ، وبدأ في التكلم بكل أدب ورقة ، وأمهلته حتى فرغ من كلامه ، ثم قالت : أتظن أن مثلي تفكر في الزواج الآن ، وبمن ترتبط ؟ بك ؟ هذه الأحوال أشبه بحالة فقدان الذاكرة .وإن كنت زميلي في القسم ، أتظن أي خضراء عشب .. هناك من يناسبك .. وإن كنت تريد الزواج ففي هذه الحالة اختر من طينتك من يناسبك فأنا لا أناسبك ..وخرجت وعند الباب قالت :دون أن تلتفت : عروبية ..

       جمدنا مكاننا وكنت أثبت منه ، ورأيته وضع رأسه على الطاولة يبكي ، فلا أدر أندما أم هي دموع عابرة ، ونهض دون أن يكلمني ..

      مرت أيام عليه كان أحرص الناس فيها على الوضوء والصلاة ، وكنتُ في هذه الأثناء أحاول تسليته  ونحن في المرقد فأرى ما هو غير مألوف منه ..ينام ويستيقظ آخر الليل  يصلي. وقلت يبدو أنه نسيها وكنت واهما ،ورغم الابتسامات المتكلفة منه كان منظره حزينا جدا ، ولم يكن حتى لينظر إليها ، والعجيب أنها في البداية كانت تتجنب الاقتراب منه ثم لاحظت عدم اهتمامه بها ، وربما خَشيتْ من انتكاسته بمرض عصبي أو نحوه فأشفقت عليه .أقول ربما .

       وذات يوم كنتُ جالساً في الساحة وقت الإستراحة ، وإذا بي أرى معركة حامية لم يتبن أطرافها ، وقصدت الحشد ثم وقفت كالمذهول.. لا أصدق ما تراه عيني.صاحبي يضرب شابا واقعا على الأرض بكل قوة .ماالذي حدث ؟، لقد رآها تمسك بيد الشاب المنطرح  تحته ، ولم يتمالك نفسه أمام المشهد ، ولا أسمع منه إلا فاسق ، يافاسق..  أسائل نفسي هل هذا حقيقة أم هو من مسرح الجنون ؟ ثم أجدني أتدخل بسرعة مع حرس الثانوية ، وبصعوبة  استطعنا أن نزيح المهاجم القوي . لينجلي المشهد على دماء غزيرة ، ويحمل الجريح إلى المشفى ..ويقتاد المعتدي إلى الإدارة للنظر في جريمته ..

        وطيلة الحدث لم ألمح حسيبة ،  وصرت افكّر،  انه على الأرجح سيسجن بعد ان ينال نصيبه من الضرب. وان كان سيتحمّل ألم الضرب فلن يحتمل ذكرى وقفة  الفتاة تبكي وتصرخ  ، تلك التي ستفقده ذاكرته حتما، وعرفت انه لن يستطيع ان يحمي جسدَہ من الضرب، كما أنه لا يملك  من المعارف ما يشفع في عودته إلى القسم ، و عرفت يومها ان الحب انبثق مجددا من زاوية التاريخ  على إيقاع الحروب والمعارك يوقدها الناس البسطاء ، الذين تجعلهم البساطة في أرقى مجالات التعبير عن الذات ..

         وانتشرت قصة عنترة الجديد في الأرجاء كلها ، وهنا أحسستُ بهاجس وفاة المجني عليه ، وستربط المسألة بالسياسة ، وسيقبض علي بتهمة علاقتي بالجاني ،  أه.. شعرتُ بأن الموضوع جدّي أكثر مما توقعت.. وانتظرت و انتظرت ، ولم يعد صديقى وعادت حسيبة .

        وساد الثانوية سكون عجيب.. وأخذتُ أتحين أقرب الفرص لأوقف الدراسة  ..لا مجال للبقاء ولا للحركة والتنقل فقد بدأت العمليات تشق تراب الولاية ، ولكنني أردت فقط الاطمئنان على وضع الصديق محمد ، وعندي أمل أن يعفى عنه  ،و في تلك المنطقة النائية التي كان يمرّ عبرها قطار النفط ، وجدت شبانا يتحدثون عن خوفهم من تفجيره ، وما سينجر عنه من دمار للثانوية لو استهدفت قاطرات البنزين ،لقد عمت الشائعات المحيط كله ، وصرنا نبيت على ترقب،  وأعلمت زملائي غدا بعزمي على إيقاف مسيرتي ، رأيت الفتاة وكان القرار صدمها فطلبت مني انتظارها في ساحة المؤسسة .

          كنت أستطيع فهم نظرتها الأخيرة وطلبها الأخير ، إنها نادمة ، وهكذا بعد التحية أبلغتني أنها أرغمت أهلها وأهل المجني عليه بالعفو عند المحاكمة ، وأنها تترجاني في البقاء لحين عودة محمد  لأكون أنيسه ، وستفعل ما تقدر على فعله لقاء دراسته وحياته،    فقلت  نحن في حرب والمحاكمة  بعيدة ... ولا بد أن أترك هذا المكان بعد يومين .. ليس لأنّي فارقت صديقي  بل لأنني فقدت رغبتي في طموحاتي و افكاري ، بل لا ادري من جنى علي فأوصلني إلى هذا المكان.

         قالت على كل حال طلبتك لمشاركتي هذا العمل الخيري ، فالشاب متعلق بك وزميلك ، أهذه هي الصحبة التي تتكلمون عنها ..

         قلت : إذا كان لابد من تصرف فسأنهي العام لأجلكما معا وإلا ، فالمزيد من العبث مضيعة للوقت ..

          قضيت أكثر من شهرين أنتظر عودة الصديق محمد ، وفي يوم لا كالأيام عاد بحشد كبير من الشرطة ومعه إخوته وأبوه ، وتعجبت من الاستقبال الجيد للشاب من قبل الإدارة كلها ، وكانت آثار التعذيب بادية على وجهه تخفيها أحيانا ملامح خجله مما فعل ، والتحق بالقسم في دهشة الزملاء ، وتأملت الفتاة تحني رأسها و تسترق النظرات خلسة منه ، وكان مشهدا أقل ما يقال عنه أنه مشهد الأمل في اسمى صوره ..عانقت فيه الفتى بكل صدق ودمعت عيناي رغما عني ..

        عرفت انني يجب ان اترك الحميمين يلعبان دورهما كما يربدان ، ومع الأمل الجديد فقلما رأيتهما معا  يتحدثان أو يلتقيان فوق النظرة والسلام ، وقبل أن اجمع أغراضي وأنصرف عن الدراسة كلها حدث مالم يكن في الحسبان ، فقد التحقت مجموعة  من الإخوة الطلاب بالعمل المسلح في الجبال ، لقد بتنا واصبحنا على خلو مقعدين في قسمنا أحدهما لمحمد صديقي وخلو مقاعد أخرى في اقسام اخرى ، كان هذا الحدث كارثة تصيب الثانوية بالشلل الكلي ، وتوقفت الدراسة اياما ، وتكاملت المعلومات بصعود إمام المسجد الكبير للجبل ..

        وعاد الطلبة بعد أيام ولم أعد فقد سبقني والدي رحمه الله بتكليف أخي يوقف مسيرة دراستي بالثانوية قبل نهاية العام ، فإذا بي أفاجأ بتوقف وانتقال الكثيرين عنها ومن ضمنهم حسيبة ..

        أكثر من أربعة أعوام  مضت على تعطيلي لدراستي . وكانت  سنوات قضيتها افكّر بماضي وبما فعلته تجاه الفتاة  ، ولازمني معرفة مصير صديقي المقاتل  ، وان كنت غير نادم على شيء فعلته، أعرف أنني حافظت على محبتي له ، وتمنيت لو أنه فكر قبل أن يتصعلك هكذا ، وليلة من شتاء 98 الباردة  رأيته في حلمي باكيا نادما ، ورأيتني بعد ذلك وكان المشهد تغير فأنا أقف على تراب قبره ، واستفقت صباحا لأفاجأ بالأنباء تغرق المنطقة عن الصديق القديم ، لقد وجده الرعاة ميتا وحده في الغابة متجمدا وصدره منفجر بالدم ولا يدل على إصابته بطلق ناري غير ما ذكر ، والموضع الذي وجد به يدل على عزمه بترك الجبل وتسليم نفسه ، وبعد التشريح أكتشف أنه مات من شدة البرد ومصاب بالسحار،لقد فقد كل شيء ، وأتساءل هل تذكره الشرطية الآن ؟..  









تعليقات

المشاركات الشائعة