القربان الأجير
محل
خضر وفواكه على قارعة الطريق .. كان جعفر السوداني صديقا مقربا ، يشتغل خضارا عند
أحد فلاحي المنطقة الساحلية "صياد " ولم تكن شعبية "صياد "
كما يصنفونها ولاية أو محافظة ، وماهي بالبلدة
الصغيرة ، فهي تمتد على مساحة أربعين كلمتر مربع ، حتى تخترق مدينة " جنزور
" غرب طرابلس الليبية ، تميزت بالطبيعة البدوية في البناء والعادات القديمة
المستحكمة ،فلم يزل فيهم بقية تقاليد مشروعة ، في الإطعام والزواج وغيرها .. إستطعت
بعد إقامة عام كامل أن أكتسب صداقات عديدة ، ولعل تغربي ألزمني بكثير من الصفات
ورائدها الخلق الحسن ، وكان حفاظي على
الصلاة ، ما مكن الناس من معرفتي وصداقتي بالتقاءنا في المسجد على فترات ، ولم اكن بالمتدين الملم بالفقه عموما ..
توسعت صداقاتي مع السكان والأجانب ،
وكنت ارغب كثيرا في صداقة العمال السودانيين وشدني منهم الحفاظ على الصلاة ، فقلما تجد سودانيا لايصلي ، وأغرب من ذلك أن
تجدهم في صلاة الفجر يقرأون القرآن بصوت جميل ،فهم مع اللكنة يمتلكون أصواتا عذبة
، فيعجبني منظرهم مع بساطة هنداهم ، وأشفق لحالهم وتغربهم وشقائهم ، فلقد عرفوا من
بين الجاليات بامتهان الحرف المهينة وبأنهم بائعو خضر منتقلون ، أو بنائون او
شيالون ، وأقوى ما وثق علاقتنا عادة تعودوها أنهم قبل كل شيء يطالعون
الأحداث في جريدة الشروق الليبي مع الفطور الصباحي .
توطدت علاقتي بالأخ جعفر ، حين أنهي
أشغالي مساء أزوره ، ونقضي الوقت في الحديث والحكايات ،فضلا عن مساعدته في تصريف
الزبائن ، وكان متعلما حاصلا على الماجستر في الشريعة ، يتبين ذلك من سعة علمه
وتمكنه من اللغة بشكل طبيعي ، وتعجبت من قصته كثيرا ، فهو اضطر للسفر في صيف 95
ظنا منه أن يقضي أشهرا ثم يعود ، فضاع منه جواز السفر ، ومكث 7 سنين يبحث عنه ،
ولم يستطع التبليغ عن ضياع الجواز خوفا من اتهامه ببيعه وكانت سرقة الجوازات مشهورة في ليبيا ، ولقد ترك
أختا مريضة يعولها أب مريض ، وكانوا يقيمون في بادية على حدود النزاع بين الفصائل
السودانية ، وحالتهم يرثى لها ، وسألته عن
من يبلغه أخبار العائلة فحدثني بأن له قريبا ديدنه التنقل والسفر فيخبره عن الحال
ويخبر أهله عنه ..
ويوما زرت المحل فلم أجده ، ووجدت شابا
تونسيا مكانه ، فسألته عن جعفر فقال : إنه غادر ولا يدري أين ذهب ،. أعرفه صبورا ..فما
الذي حدث .؟.
وبحثت كثيرا فلم أجد له خبرا ، فقصدت صاحب
المحل فقال إن أخته ماتت واضطر للمغادرة إلى السودان ..
فقلت لعله ضبط أموره ووجد جواز السفر ، ولأني
لم أستطع الجزم بتصرفاته … هكذا أخبرني هو … صدقت هذا السبب ـ موت الأخت لكن ما الذي جعله يتجاهل إخباري وهو يعرف منزلي
..
ومضت أشهر لا أحصيها ، واختفى المحل من على
قارعة الطريق لأن صاحبه المالك الليبي الثري حُمل إلى السجن في قضية معقدة فقد كان
متزوجا بمغربية خفية عن أولاده ، كانت تشتغل عنده في محل مجوهرات في طرابلس ،
وهربت بماخف حمله وثقل ثمنه ، واكتشاف الليبية لهذا جعلها تشكو زوجها للقضاء الذي
حكم بكل شيء لصالحها حتى بالثروة والبيت ،
أما قضية دخوله السجن فسببها ابنه القاصر الذي دهس بسيارة والده طفلة وقتلها في
مدينة جنزور ، هكذا تلاحقت عليه المصائب..
وشككت في الأمر إلى أن قص علي صديق سوداني
جديد عرفته أنذاك ، ان جعفر طالبَ صاحبَ المحل بخمس سنين عمل عملها دون راتب محدد ،
حيث كان يعمل على قوت يومه فقط ، فلم يكن من الليبي الثري إلى أن اشتكاه إلى شرطة
تسمى المكافحة ـ لافحة ـ هكذا كانوا يسمونها ، وبدوره القذافي أرسله إلى غوانتنامو
كقربان مع الكثيرين إلى بوش ،ماهذا ؟ بل أخبرني بموت أبيه وأخيه العسكري ، ولأول
مرة في حياتي أسمع وأصدق قصة عشتها بنفسي ، إنهم أهل بلاء ..
حملت أمتعتي وعدت إلى بلدي
حزينا على نفسي وعلى جعفر القربان الأجير..
تعليقات
إرسال تعليق