ضيافة الخنازير ..



      لا اذكر الكثير من حياتي ، وليست ذاكرتي بالبخيلة في ما يتعلق بجو الحرب، فقد كان الحدث الاطول في تاريخ بلدتنا وفي تاريخ وطننا الشاسع ..حين تموت الشعوب كالخرفان .ومن قديم الزمان لا يحب الانسان كلمة حرب..ولانه لا يحبها فهو مستعد لها دوما باقصى قوة لانهائها باسرع وقت ممكن ، ناسيا او متناسيا ان عدوه استعد مثله ويكره الحرب مثله وهذا يطيل امد الحرب دوما..ويجعلها حدثا لا ينسى ..

       اذكر فقط كانت ليلة باردة من سنة 97 ، تجتمع المفرزة المسلحة ليلا عند عين تسمى بزيزن ، 20شابا تعاهدوا أن يموتوا بشرف ، هناك، في حياة أهل البادية  لحظات يصبح القتل فيها أشبه.بحاجة جسدية، كالبكاء مثلا او الشعور الملحّ بالحاجة إلى الماء. ثم ان القتل، حين يصبح مهمّة قيد التنفيذ، تحتفظ الذاكرة  بالحرب كلها فتنطلق في الإحياء بالإماتة ، وفي الحرية بالتدمير . . اكتسبنا شعورا بالخوف من كل شيء ، ولكن نقلنا الى العدو عدوى الخوف والحذر، مع اننا لم نفهم يوما قط مما تخاف والأجل واحد .

        عشت جزءا كبيرا في البادية لا غنى لي عنه في حياتي كلها ، في ذلك الحين تعلمت ان لا اترك البيت ليلا  الا ومعي سكين متعدد الوظائف وضوء كشّاف. حين اسمع حركة القط فوق سطح بيتنا اظلّ الاحقه حتى اعرف في اي مكان سيتوقّف.

      الساعة الثامنة مساء ، تأخر الضيوف القادمون من عند ابن خالي في أقصى البادية ، وكان العشاء جاهزا..وقضية الضيافة في زمان الحرب ذاك طالما تناقشت مع اخي فيها ولم نصل الى وفاق ، وأخرنا الخصام لسنوات لحقت ..وكان والدي لا يعرف من امر الضيوف شيئا .واستثناء اعتقدت انه سيموت خلال ذلك الخوف الرهيب، قبل ان اكتشف انه لايخاف ، لأنه الجندي الذي مات اربع مرات في زمن الاحتلال ..ولا يفكر انه قد يموت بالرعب وقد قال لنا ."واش شفتو .’ وقال...انه لن يمسنا سوء ..وفهمت منه ان العدو المهاجم غريب عن الدار والعرش والبلدة .ولا يمكنه استراتيجيا المخاطرة بالهجوم  بلا دليل ولا خيانة ..وهذه لايعرفها إلا خبير بالحروب ..

         كنت انتظر تلك اللحظة بترقّب، كما ينتظر المرء امرا يعرف انه آت اليه. والميتة هذه هي الوحيدة التي كنت اجدها منطقية. ليس لانني كنت احب ان اموت اثر اصابة بطلق ناري، بل لانني، لشدة ما انتظرت تلك اللحظة وتوقعتها، الفتها، وبتّ أشعر بها كما يشعر من قُطعت رجله برغبة حكّها أحيانا.

      وفي جو ذلك الاستعداد ..كنا جهزنا البيت بجرس انذار .للاحتياط ..في زمن اصبح يخشى فيه على كلب الحراسة من الخيانة ..واتفقنا مع المفرزة على انه إذا سمع الجرس فعليهم محاصرة البيت وتصفية أي مخلوق يظهر ..

         نظر الي اخي بشفقة وفكر طويلا ، ثم ضحى بآخر قرار عنده ..إن الوالدة لاتحب هؤلاء القادمين الضيوف ، وقد جهزت العشاء مكرهة ..ولم يبق أمام أخي إلا أن يبعثني لأحضرهم قبل ان يبرد العشاء وقبل أن يبرز التقلقل في أصل النظام المتداعي أو الموشك على التداعي  ..وسرت في ذلك الظلام على نور النجوم ، ولا ادري كيف استسلمت لأمره بهذه البساطة ، قال : تجنب طريق المقبرة واشطر قلب البادية .وخفف ضرب قدمك ..وكان معي البندقية وحزام الذخيرة ، وتحركت كأني الجنرال " جياب " في " ديان بيان فو: ..

         عندما ابتعدت عن البيت ادركت أن الطبيعة الحسناء نهارا، تصير لعشاقها في الليل  وحشا متربصا كل حين ، وبأشكال  مختلفة وببشاعة متفاوتة. وانا اعتقد انني لأول مرة ، شاهدت الطبيعة في تلك الهنيهة بمنظار الخوف ، و كنت جزءا من هذه الطبيعة، التي خُلقت منها وفيها، والتي صَنعتْ لي حياة  شاعرية عصامية .. هاهي تأخذني من تلقاء  نفسها الى القتال في غيابات يوسف عليه السلام.

         ابتعدت عن البيت كثيرا ، وكنت أسير بحركة الذئب ،فأتجنب السير فوق العشب اليابس ..وبرغم الصمت الرهيب كان صوت صرصور الليل  يصم أذني ولا أكاد اسمع شيئا في تلك الفسحة الباردة وصفاء الافق البعيد في وقت يعول فيه على حاسة السمع وحدها .ومع ذلك لم التفت كثيرا حتى وصلت قريبا من المقبرة وقد قطعت مسافة معتبرة  ..وهنا سمعت حديثا خافتا يأتي من جهة القبلة ، و تلمحت في ضوء النجوم في أرض منبسطة  جماعة قادمة ..ونجواهم غير مفهومة ..أردت ان أستقبلهم لأني تأكدت أنهم الضيوف ، ولكن الحس العسكري الذي تعلمته جعلني أتستر بجذع الشجرة وأتجهز قدر الوضع المتاح ..

         واقترب الصوت فإذا هو لايزال غير مفهوم بالرغم من وضوحه ..ثم بدا لي كأنه قطيع غنم تائه في البادية ..وتعالت انفاسي واشتد قلبي في الخفقان وقلت ..هذا موكب الجماعة المسلحة ..انهم هم ياالهي جيش كامل بلباس أسود يسيرون بحرية ، وبتتابع ، وصوت حركة مشيهم تدل على انهم غير آبهين ، فهم في صحراء وهم كثر..وفجأة وحين أردت أن أتسلق الشجرة ، ارتفع صوت جرس البيت عاليا ..وكون الوقت ليل ..فقد سٌمع كأنه قريب ..ورددت كل الجبال المحيطة صداه العارم ..ولا أدري كيف لايزال مستمرا ..فهل اختلطت خيوطه أم جن حنونه .وسكنت حركة القادمين. ولا أذكر كيف أجدت تسلق الشجرة بسرعة..وامام عيني سواد قاتم.. فقد تعطلت حاسة البصر تماما اوهكذا مؤقتا وشل جسدي لكنه صعد الشجرة ، لاأدري   ..فكرت ببقية عقل :.. حسنا الموت سأموت ولكن لن أستسلم ..

         وسكت الجرس وعاد الصمت ،ثم باشر الوفد القادم مسيره نحوي وكأنهم لم يسمعوا الجرس ،ونطقت الشهادتين ، ونزعت زر امان البندقية بصعوبة مع ارتجاف يدي..ثم صوبت باتجاه الصف الممتلئ الاسود المقبل تجاهي، وكتمت أنفاسي ،كقناص يتحين لحظة التقاء الهدف ونقطة وسط المنظار ، وكان الأمر يقتضي اذا لم يكتشفوني فلن أفعل شيئا ، وغير ذلك فقد كنت عازما على انهاء حزمة الرصاص التي ا تمنطقها ، وما الموت بمستبعد.

           واخيرا  وبعد اقترابها ،تبين لي بأن الجماعة كلها ليست إلا قطيعا من الخنازير ،وكانت عادته أن يعبر كل ليلة الى غابة الصنوبر ليشرب من عين تسمى "عين القصب " ويرعى  ثم يؤوب مع الفجر..

        وهدأ نفَسي مع هذا الاكتشاف وعادت روحي ثم تذكرت الجرس فنزلت بسرعة ، وتنكبت طريق الغرب الى البيت ،  ..وفي ذلك السعي الحثيث .فجأة ...اسمع طلقا ناريا مدويا وكعادتها الجبال لاتعرف الكتمان..  تنمّل جسدي كله وباتت حركاتي كأنها حركات معاق .. أه ...علي ان ادرك ما بقي و انقذ ما استطعت .وهل أنا في غنى عن انقاذ نفسي أولا.

           ثم سمعت صوتا ينادي باسمي فتوقفت، فاذا هو اخي ومعه ضيوفه ..لقد عبروا طريق المقبرة الذي حظر علي عبوره..وصوت الجرس كان لا علامي بالعودة ...و الدوي كان من بندقية اخي ليدلني عليه .ماهذه الجرأة ياسافل .ايه انا الغريق فما خوفي من البلل ..انا المفقود لا هم ..

لما وصلت عرفت ان المفرزة قامت بما يلزم فقد حضرت في وقتها ، ولكن استقبلها اخي وصرفهم متشكرا ..وعدنا الى البيت نعيد ذكريات لم يمر عليها الا ساعة .. من سنوات الجمر أبو طه 



تعليقات

المشاركات الشائعة