ذكرياتي لم تتكلم ...


         عندما كنت صغيرا  ، تمنيت ، ولعلي لم أكن مثلما أنا فيه من الحال الذي طالما اطمأنت إليه أحلامي ،ولم يستقر له واقعي ، كان من السهل علي فى صغري ان أتعلم من كل الأشياء حولي ـ لو حاولت ـ  ولم اكن أعلم أن المستقبل ـ الحاضر الأن ـ سيكون بخيلا علي فى كل شئ حتى  فى مشاعره وصداقاته ، وأيضا ذكرياته ، لأنه صعب و مر جدا ، أن تبدأ صفحة تكرر فيها ذكريات لا تستطيع تركيبها إلا الطفولة ، ولا يكون مؤلفها الا..الزمان.. تستحيل معها نعمة النسيان ..
          لا أسأل كيف قدمت لي الأحداث ، و لكن لا أدري كيف قرأتها في عيني لحظتها ، فقارئها الجيد هو  الأكثر تحملا للألم ، اذ لا يمكن بأي حال من الأحوال ان تنشأ الأمنية في الشوق دون شتى صنوف والوان العذاب ، والمنظر الخلاب يمنح الإعجاب ، لولا انه يخلف في القلب لوعات التحسر على أنه في يوم ما مصيره الى ذهاب..
           نجوم طرقاتنا ، وطرقاتنا وطرقات الناس جميعاً حتى الذين لا يعرفون ،تذوقوا الليمون الحامض شراباً حلواً لهم ولأصدقائهم ولمن حولهم..أذكر هناك كان يشرق القمر في ليالي الشتاء العتيقة من بين السحب ، وأخرج في البرد ، والليل يوشك ان يكون أصم اخرس ، لايكاد ينطق بشيء ولايدل سوى على مكانه في صدر الحرمان ، انا ابن الليل الذي استقرت تقاليده على السواد ، آنس النجم والكواكب والبيداء والطرق تعبر الأدغالا ، وارى الجن في الظلام خلسة ، واسمع في الحشود زجالا ،ومعي امرؤا القيس أو معي ديوان الشعر العربي يفتتحه أميرهم بمشهد الخراب ـ
                          قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل  
           نعم لقد رحلت عن اماكن أحلم فيها الآن بالغالي والأغلى الذي رحل ، بالذي انسل من الواقع على الأحلام بدون ان يفتقد ، كثيراً ما جلست هنا لأعيد رسم ابتسامته العذبة في مخيلتي،  وشكلت تفاصيل نظراته البريئة بدقة .. صحيح انني مررت ببعض الوقت العصيب خلال هذه التجربة. وبكيت كما يبكي الوليد ، واستفسرت كما يستفسر العنيد ..ولكنني أعطيت للاماكن جزءا مني ليس بالهين ، وللمشاعر جزءا آخر ليس باليسير  ..
                         كاني غداة البــــين يوم تحملوا ـ لدى سمرات الحي ناقف حنظل
                         وقوفا بها صحبي علي مطيهم ـ يقـولون لاتهــلك اســـى وتجــــمل ...

           إن للصدق مواسم ، وقليلا ما يخطئ مواسمه عندي.. وخصوصا حينما احمل القلم ، لقد امتلأت قلوبنا هنا بالصدق آنذاك ، لأنني أردت أن أصدّق فعلا في الوفاء .... في الرجاء ، أن اصدق حتى في الحرمان ، و لأنه أوفر مناخ للإحساس ،لم أخن فيه حضوري ،كما لم أخن الأن ذكرياتي ، ولم أخن أماكني، فبالأحرى لن يكون هناك إحساس كاذب يستمر معك مدى العمر ، ويحفظ لك هذا الرصيد الهائل عن الزمن السرمدي الغابر..    
            رحلت و تركت أماكن أنتقل حديثها من الكلمات الى الرمز ، ألف سؤال وسؤال عن سبب الحرمان ، ألف سؤال وسؤال عن سبب الجفاء ، وتركتها فوق شجرة كشجرة البتول مريم، وحيرة كحيرتها ، وحينما التفت خلفي وحينما زارني الماضي عشته بكل دقة قلب ، وبتفاصيل فنون الشوق مع حرمانه وجفائه ، ومع الأيام وسنوات الجد ، لم أعد أخاف  إلا من شيء واحد: أن أفقدني و تلك الأسئلة بلا جواب   .
          مما يؤنسي قليلا أنه لم يكن في وسع الحاضر الماضي حينها ان يقدم شيئا يفتقده ، أو ربما كا قيل :  ما فائدة الدنيا الواسعة ، إذا كان حذاؤك ضيقاً ..ـ مضحك ههه ـوقد طوفت في الأآفاق حتى رضيت من الغنيمة بالإياب ،  لعلي تعلمت مما زاد من حسرتي على الإختيار ، ولكنه كان اختياري ،وبإمكاني أن أقول لنفسي نيابة عن اختياري : إذا لم اعجبك فلا تقتلني بالمجاملة فهي والإشفاق منك سواء ، واهون ماتكون عليه أن لا ترتجى ولا يحذر جانبك ....
          والأن صورة هي الأصل، هاهنا أين جلست واين كتبت ، ولكن يبدو الفناء هو اللون الأقرب إلى العين ، يريد أن يفهمك بشيء واحد وحيد أنها تجربة ذاتية خلقت ولم تولد ، متفردة غير قابلة للتكرار أو الاشتراك...
تأمل في الوجود بعــين فكر*** ترى الدنيا الدنيــــئة كالخيـال
ومن فيها جميعًا سوف يفنى*** ويبقى وجه ربك ذو الجلال
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
                           فياراكبا غما عرضت فبلغن ـ نداماي من نجران ألا تلاقيا 

تعليقات

المشاركات الشائعة