المقامة الشيخية

           حدثني قدور ولد الربيع الموريتاني قال : إياك وما يعتذر منه ، فقلت وما وجه العذر يا أبا الجرد  ؟، فقال : دخلت المستشفى  ، في ما عرفت من نوبتي ، وقد أطالت غيبتي ، وكانت النوبة ملحة تزورني من آن لآن ، ورأيتني وحيدا ،أنتظر الجليس وأتفقد الأنيس ، وملّني الصديق وبكّيت الشفيق ، وكانت زوجتي تزورني حينا وتغيب أحايين ، ولم ألمها ولم أعذرها  ،  وعليّ كانت تروح وتغدو فتاة ، بيضاء الهندام خفيفة الأقدام ،جميلة العينين قصيرة الأذنين ، تسأل عن حالي وتقيس ضغطي وتشرح صدري ، إذا أقبلت أقبل الشفاء ، وإذا أدبرت سكن الداء ، فلا تسأل عن إلفي لها وحنيني إليها كلما غابت أو آبت ، ففات مني يمين على الأنين ، فقلت زين : وتربه أبي لأتزوجها مجازاة لها ونكالا في زوجتي ، و هاك ارتفعت العلة ونجوت بحمد المولى بعد عشرين يوما ، وهكذا وذا كذا ، أنبأت الإخوان ، والأنساب والخلان ، أني معدّد لا محالة  قبل رمضان ، وخرجت على الميعاد ، بزاد إلى المراد ،  لأُعقد الشملة وأخطب الطفلة  ،فبينما أنا ماض ، بين الشاك والراضي..إذ نادى الصوت من بطن  الحديد ،فنظرت فاذا بالشيخ ولد بريدع ، ينشر من تحت السيّار ، وقد لطخت عمامته بالغبار ،.يحمل مفتاحين او ثلاثة من المفاتيح المرقمة ..فقال : إلى أين ؟ فقلت العين ؟ فقال : سأحملك مهلا فاني قاصد .ودخل فرمى ما بيديه ، وغسل كوعيه ، وركِبَ وركبت ..وصاح من النافذة : أوصدوا الأبواب. .
        واقتحم الكلام اقتحاما كأننا كنا معا. فقال والحديد يأكل الحديث :" طوّال الخيط ما هو خيّاط "..فقلت " وين يبان خيطك في البردعة يا ولد بريدع." .فقال : دعك مما في جمجمتك واسمع لمعمعتي...
فقلت انشر..
 فقال : زوجني أبي صغيرا ، والصبا غيث البلاهة وربيع الغرور..وكنت أراني ذا حظ بين الاقران .فاختاروا لي جارية من الحضر ..وزوجونا بلا نظر، فهاكم دخلت كالأصم في الزفاف على شيء في لحاف..وهكذا وذا كذا  متزوج بالزغاريد . .
       ودار الحول واكتمل ، وصار الحمار جمل ..وصاحبتي بلا علامة.. وابتدرتنا الاقاويل واجتمع الدليل..فمن يقول :نسيبتي طبيبة حكيمة نجيبة ..تعالج الأسقام وتنفخ الأرحام ..فكنت تراني وقرينتي في العيادات ، ودونك وهات ، وادفع ذا من جيبك وذاك من عصبك ..ومن يتهمك ويرضيها ، ومن يقول العلة فيها ..وهكذا وذا كذا تركت جدّهم أجمعين.
       وبان لي في الرقاة ..وقيل فلان ابو شعيب ، يكشف الغيب ويداوي العيب ، مشهور من قبل بدواء السليم وشفاء السقيم ، وزاره عمران في مس ابنته فبرأت ، والناس تقصده في العقرب والحية ، وكلها مقضية إن شاء الرحمان الرحيم.
      فقلت له : وشفيت الخلة واتى بالغلة ؟
فقال : كلا ياهناه..بل هو العلة ...تركَها ومسح السكين في  كسائي ، وزاد فاشترط  أجرهم أجمعين ، وعاجلا في الحين ، وقال : اتني بسبعة اعشاب : من عشب كف مريم والرباب ، والتوت الاحمر ،.فهذه والكزبر .وتنزع في المجمر؟ فقلت أَعشّاب ام عطّار ..والحاصل ، ياهذا الأفّاق  .ما قلت.. ..ادفعه صداق ، والتفت الساق بالساق.
     ولعنته وقفلت ..وقل لي كيف أُرضِي الحليلة بزوجة بديلة..وخيبتي قليلة لقاء ترغيبها، .ولم أشأ تطويلا .واستعنت بالله وكيلا، فدخلت الضرة .وخرجت الحرة ..فطلقتها مكرها على مضض.
     وولد لي من الثانية ، وزال همي يا اخاه ..وسبحان الله لم يلد ولم يولد كيف يهب المسكنة بالأولاد ، واكتفيت بثلاثة .وهكذا وذ اكذا ، وإنما تغير القبول ..وظهر في الغنم أفول ..وكل يوم في نزول ..وقلت داء الجدري،  وقل من يدري ..أو عين حاسد ، الحاصل مشئومة ، مذ خطت لا تنطق إلا بهات ، وبالويل تقتات ، ففارقتها وبي شوق الى ـ العوفية ـ ، ناصية مسقية ..
      فلا والله يا هناه كأنها في انتظار ، اذ شارفت على بيت ابيها ..وما شربت قهوتي حتى بدت من خلف الستار ودمعها سيّار ..تشهق من شوقها .فقام أبوها ذاهلا وأطلق للنسيم رجليه .وهكذا جاءت وقبلت رأسي ..يالله  ولم اجد لي واصفا .
       فقلت ودمعت عيناه  : اه يا الشيخ هون عليك ، صل على المصطفى ،  رضا بما قضى وانس ما مضى فقال : لا ، عدت بها الى البيت ، واستراح الفأل لعودتها وهاني في مودتها ..لا أجدد ولا أعدد.
فقلت ايه ياولد بريدع  .نصحتني وبالغت في النصيحة ..وقد قيل : لا تَعْلُ فيهن ولا تُغَالِ... واقنعْ بما تَمْلِكُ من حلال ..وارض بالطاعة في دار قناعة.


تعليقات

المشاركات الشائعة