المقامة العوفية
أخْبرنا قَـدّور وَلْد الربيع الـموريتاني ٌ، وسألناه عن أغرَب ما سمع من تَخلّص ، فتنهَّد وقال : ونعـمةٌ جازت على مُــقِرِّهَا
إنْ لم أَقُمْ في حِينها بشُكْرها
حُرمـْتُها عندَ جُحود قـَدْرها
فـقلنا : وما النّعمَة وما الفَقْد ؟ فقال : رَحِمَ الله امْرؤا عَرَّفهُ بعـيْبه فَـعَدَّلَه ؛ وأيُّ نَـقْمَة أدْمَى ؛ عند امـْرئ أعْمَى ؛ لا يَرَى نفسَه عِند النّاس ؛ ولا يَزِنُهَا بالـقُسْطاس ؛ حتَّى يَصير ثَقيلاً ؛ وَلاَ يَسُرُّ نَـزِيلًا ؛ فقُلنا : سُقْتَ مَـعنَاها ، فَأَيْنَ مَغزاهَا ؟
فقال : حَدّثني شيْخٌ عَريف ؛ ذو عقْلٍ حَصِيف عن أصْناف النَّاس ؛ وأَثْقَلِ الجُلاَّس ، فذكَر رَجُلاً مِن حيِّـه كان يَثْقلُ بالسُّؤالِ في ما يَشْكل ولا َيشْكُل ؛ ويُزْهِـقُ وَقْتَه ؛ ويَأْتيه في غَير مَوْعِد ؛ ويَقعُد كُلَّ مَرْصَد ؛ فكان يَتَحَاشَاه ؛ ويَسْتثْقلُ مَمْشَاه ؛ لعلَّه يفهَمُ أوْ يَخْجَلُ ، أو يَحْتَويهِ مِرْجَلُ ، فقالَ فيما قَال : فكَأنّني به عِند بَاب المسْجد ؛ وقاعدٌ كَالوَتَدِ ؛ وليس إلاَّ مَخْرَجُ ؛ وَوَاحدٌ لا يُفْرِجُ ؛ وَلا تَسَلْ عنه لَدَى الكَمائِن ؛ ولا اعْتَذارَ لحَاقِن ؛ فَرُبَّمَا للمَغْرِبِ ؛ إنْ لم تَجِدْ منْ مَهْرَبِ ؛ وهَكذا وذَا كذا ؛ سَئِمْتُ كُلَّ لَيْلَة ؛ وغَابَ وَفْدُ الحِيلَة .
وذَاتَ ظَهيرَةٍ ؛ وَكُلَّمَا صَفَفْنا للصَّلاَةِ رَأَيْتُهُ يَرَانِي ؛ مُعَلَّمَ المَكَانِ ؛ فإنْ خَرَجْتُ تَعرَّضْ ؛ وَإِنْ مَكَثْتُ تمَرَّضْ ؛ فَقَامَ حِينًا جَذِلاً ، وَسَارَ عَمْدًا عَجِلاً ؛ فاستَبْشر قَلْبي ؛ وَحَمِدتُ رَبّي ؛ وهكذا قَعَدتُ بِضْعَ سَاعَة ؛ عُزْلاً عَن الجَمَاعة ؛ فنَظَرْتُ السَّاحَةَ فَإذَا هُوَ يَنتَظِرْ ، فَاسْتَرْجَعْتُ ادّكَاراً وَحَوْقَلْتُ مِرَارًا ، ثُمَّ التَفَتُّ جَانِبًا فَلَمْ أجِدْ لي صَاحِبًا ؛ إِلاَّ فَتًى يُصَلِّي النَّافِلَة ، فَقُلتُ هذا مُنْقِذِي ، وَأطَالَ الصَّلاَة ، وجَفَّتِ اللَّهَاة ، وكلُّ ذَاك والرُّجُلُ يَنتَظِر ، فَليتَهُ يَنْطَمِر .
وَهكَذا وذَا كَذا ، قَضَى الْمُصَلِّي مَا قَضَى ؛ وَجَاءَ يَمْشي مُعْرضَا ، فقلتُ : يَا أَخا العَرَب ؛ وأَنتَ خَيرُ مَنْ طُلِب ؛ هَلاَّ نَفَعْتَنِي يَدا ، ولن أَنْسَاهَا أبَدَا ، فقال : مَاهُناك ؟
فَقلت هَذا سيِّدٌ يُدْعَى العَوْفِي وَهْوَ مَا هـُوَ لَوْكَانَ في جَهنَّم ، لَقَالتْ : رَبّ نَجِّنِي مِنْ ظِلِّ هَذَا الرَّجُلِ ، فَابْتَسَمَ ولم يَزِدْ على ابْتِسَامَتِه ؛ فـقـُلْتُ : إِن رَأَيْتَنِي وَقَفْتُ مَعَه ، فَقُل لِي : هَيَّا إِلَى البَيْتِ لِتَرقِي أمّي المَريضَة ، فَعَسَاهُ يَنْصَرِف ، وَعَنْ طَريقِي يَنْحَرِف ، فـَقَالَ : حَسَنٌ ! سَأَفْعَلْ .
ثُمَّ خَرَجْتُ وَجِلاً ، وَجَاءَ الرَّجُلُ مُقْبِلا ، وَشَدَّنِي مِنْ أُصْبِعِي ، وَلاَ تَسَلْ كَمْ يَدَّعِي ، وَجَلَسْنَا وَهُو يَتَحَدَّث ، وَرُوحِي في الحُلقُوم ، وَغَمَزْتُ الفَتَى يَقُوم ، قَالَ : أُريدُه لِرُقْيَةِ أمّي ، فَقَال : إِذَا كَانَ كَذَا ، فَهَيَّا لِذَا ، وَبَادِرْ أنْتَ يَا عَلِي ، وجَهِّزِ الشَّايَ بُنَيّ .
فُقُلْتُ مُتَعَجِّبًا : هَل تعْرفُه ؟
فَقال : ذَاكَ وَلَدِي ، شُرْطِي بِغَيْرِ البَلَدِ.
فَلاَ تَسَلْ إِذْ جَمُدَ الرّيق في حُنجُرتي ؛ وقُلتُ ضَيْعَتي ! وهَذا أوَّل العِقَابِ ، والْيَومُ يَوْمُ حِسَاب ، إذْ لَمْ يَكْـفِهِ أنْ يَتَكَلَّم ، بَلْ مُمْسِكاً بِالمِعْصَم ، وَيَقُول : وَلَسْتَ تَدْري يَا أَخِي ، لـَـكَمْ أحُبُّ جَلسَتَك ، ومُنذُ شَهْرٍ مُكْـتَمِل ، أُرُومُ في بَعْضِ الأُمُورِ حَل ، واليَوْمَ نـُنْـهِي بـَعْضَها ، أو كُـلَّهَا على الأَقَل .
فقلت : كُلَّهَـا ! وذا وَرَبّي شَـرَفُ ، والعَـهْدُ لاَ أنْحَرِف ، إنْ شِئْتَ إِلاّ مَيّتَا.
فـمَالَ عَلَى كَـتِفِي ضَاحِكًا ، وَرِيحُـهُ لَا يُطَاق ، وعَرَقُـهُ مِثْلُ اللُّصَاق ، وهَكذا وذَا كـَذا صِرْنَا أمَام المَنْزل.
وَاستَقْبَلني ولده ، يَكَادُ ضَاحِكًا يَقُولُ خُذُوني ، وَخَجَلِي وَحَسْرَتي ، واسْتَعْبَرْتُ خَلْفِي مُوَدِّعَا ، أقُولُ : يَا دُنيَايْ ! تَـتَجَمَّلِين عِندَ المَوْتِ ، وَتَـهَـبِينَ فِي الفَـوْت ، فَصَاحَ : ادْخُلُوهَا بِسَلاَم .
وهَكذا وذا كذا ، دَخَلْـنَا واسْتَفْتَحَ الكَـلاَم ، كَأَنـَّه دَيْنُ عَام ، وَرَاحَ يَـثْغُو ؛ فَـبَدَأ بِالسُّـؤَال فِي تَـغْسِيلِه لِلـمَيِّتِ ، وَأيّـهَا لَمْ يَثْبُتِ ، وَهَلْ كَـغُسْل الجَنَابـَه ، وَبَـعْضُـهُم قَد عَـابَهْ و.. وَلَـمْ يـَدَعْ لِي فِي الجَـوَابِ مُدَّعَى ، وَقَـال : كَـانَ وَالدِي مُغُـسِّلاً ، وقَـلّما لاَحَظْـتُه ، فـَهَاك لَمْ أَسْتَفِدْ ، وَمَا غَسَّلْتُ بِـيَدي أَحَدْ ، والـحَقُّ شَيْخِي أَبَى لِي هَـذَا الشَّـيْءَ مـَكْسَبَا ، وَأنْـتَ لاَ تَـعْرِفُ الحَاج العَـرْبي ، وَسَلْ عَنْهُ أَقْـرَانَهْ ، والشَّأنَ كَـيْفَ كَـانَهْ...
وَبَيْنَمَا هُو يَتَـكَلّم ، إذْ رَنَّ هَـاتِفِي ، فَـإِذَا ثَـقِيلٌ آخَرٌ ، فَقَال أيْنَ أنْت ؟ أنَـا أمَامَ بَيْتِك. فَقُلْت للمُضِيف : ذَنْ لِـي أقْضِي حَاجَتَه ؛ وَقُـلْتُ أنْجُو أو أفِـر ، وأَضْرِبُ الـبَغْليْن بِـحَجَر ، فحَلَفَ بالصُّحْبَة والمِلْحَ والمَحَبَّة إلاّ أنْ يَبْعَثَ ابْـنَهُ يَسْتَدعِيه ، وَقَال مُسْتَدْركاً : أيْنَ كُنـَّا ؟
فامْتَلأَتْ عَـيْنَايَ بِـالدُّمُـوع ، وَقُـلْتُ : كُـنَّا في مَوضُوع.. فِي وَفـَاة الحَاج العَـرْبي – عَلَيه رَحْمَة رَبِّـي - فقال أَتَبْكي ؟ بَلى ! مُثْلُه يُبْكَى عَلَيه ، وشَهِـقَ ثُمَّ صَاحَ : لَقَدْ مَاتَ وَرَأسُهُ في حِجْري ، وَقُـلْ مَنْ كَانَ يَـدْري ، مِنْ كُـلِّ أوْلادِه يَصْطَـفِـيني ، وَهذه تَـكْفِيني ، فَالحَمْدُ لله ليس في أوْلاَدي عَـاطِلٌ وَلا سَفِيه ، وَكُـلُّهُم وَجِيه ، وَأنَـا مَثَلُهُم ورَجُلُهُم ، فَـقَدْ بَـدَأتُ حَيَاتي صِفْـرًا ، وَهَـا رَأَيْتَ قَصْرا ، والحَمد لله أوَّلاً وآخِرًا..
. وَهـكَذَا أدَارَ الرَّحَى ، وَقصَّ من عَهْد الصِّبا ، مُـفَـصِّلا مُـرَتِّـبَا ، وَكـَان شَاكـِلهُ قَـدْ وَصَـلْ ، وَصَدَعَـانِي بالجِدَال ، وقُـلْتُ مَنْجَـاهَا مُحَال.
ثُـمَّ أُذِّنَ لِـصَلاة العَصْر فَـقَامَ وَقُـمْنَا ، فَـقُلْتُ : جَاءَ الفـَرَج ، فَـقَال : مـَكَانـَكُم !! فَالشَّاي قد حَضَر ، وإنَّـمَا قُمْتُ للسَّجادَه ، نُـقَدِّمُ الـعِبَادَه ، وزِدْ تَـمَامَ العِلْم بِالسَّعَادَه ، أنِّي وَمِنْ سَـبْعٍ أصَلّي ومُنذُ كَان وَالدي ...فَقُـلْتُ : الله أكبر ، الله أكبَرُ ، وأقمْتُ الصلاة ، خَوْفَ الإِنْفـَلاَت.
وَليس فِي قلبي كَذا ، سِوى أحِيرُ مـَنْفَذا ، مِـن كـلِّها وَذَا وذا ، ولا تـزال الرُّقيَه ؛ وافـطم خَـليلاً وَحَسَن ، وارْقِ لإمّي للـوَسَن ،والبيت هَـمُّ السَّحَرَه ، واقـرَأ جَميعَ البقره.
وأنا أصَلّي ، وخَاطري معَلَّق بالمَسأَلة ، إِذَا بِشَيْطاني حَضَر ؛ وفِي الصّلاةِ قَدْ نَفَـر، فَـهاتها ولا مَفَـر.
وهكذا جلسْنَا على انْـتظار الشَّاي فَـقلتُ : يَا أبَا عَلي ، قَد سَمِـعتكم والحِين تَسمَعُونني ، أنـَا أَخُوكُم لـَحَّا ، واليَوم ذُقْـتُ مِلْحَا ، وفِي رقَبَتِي دَيْنٌ كَبِير ، مِقْدَارُه كَـيْلُ بَـعِير ، وَلَـيْس غَيرُكُـم ادْعَى لِمِثْلِـها فَيُدْعَى ، وإِنَّـما المـَرْءُ بالإِخْـوَان وبَـرَكةِ هَـذا الخِـوَان ..واليَوْمَ تَسْليمُ الطَّـلَب ، فهَل بِكُـمْ مِن مُسْتَجِب .
فـصَمَتَوا وأنْصـتوا يـستنقذون حِـيلَهم ، ويـَالها من سَكْـتةٍ في جَـنْبِ تِـلكَ العَـاصِفة ، فقَـد رُمُوا بالقَـاصِفَة ، فَـمَن مُـعْـتَذِر وَصَـامِت ، ومُـحْـتَجًّ بالفَـوَائِت ، وَصَـار الرَّجُل يَـشكو دَيْـنَه ؛ ويُمَنَّي عَيْنَه ؛ لَوْ وَجَدَ لي عِوَضا.
فَـقُمتُ لا يَحُولُ بَيني وبَـين البَابِ حـَائل ، وغَـابَت الشّمائِل ، وقَائِلي قـَائِل :
والَعـَقلُ عِند الحَرجِ إنْ لمْ يـَجُد بالفَـرَج
فدَعـْه تَحَتَ الـدَّرَجِ
تعليقات
إرسال تعليق