المقامة الفيسبوكية
أَخبرنا قدور ولد الربيع الموريتاني ودعانا أخوه الى زفاف ، فاستوفينا واكتمل الاضياف ، وحانت الساعة على الجماعة ، واستبطأوا رجلا ينتظرون ، حتى سكت المتكلم وارتاب المُتَطعِّم ، ثم استنفر أهل البيت بأجمعهم ، يستقبلون رجلا على الباب ، فإذا هو شيخ غَاضِب ، بهيّ الطلعة مَهيبُ الجانب ، فاحص النظرة ؛ ظاهر الفكرة..فقام إليه ربّ البيت واستقبله ، واختار صدر المجلس واستنزله ، فهِبنا سَمته وراعَنا صَمته ، فلما تعافينا قام الشيخ يدعو و أمَّنا فقال بدعاء واحد : اللهم استر عوراتنا وآمن روعاتنا ، ومسح وانصرف ، يصحبه الأسف ، فصاح رجل : يا أبا الجرد ! حيّرنا المؤيّد بدعاء مقيّد ، فما حَمولة اليد ، وماحكاية العبد ؟..فقال :بلى !!
وسعْي الغِرّ يعقبه نُفور ومن يقصدْ فلا يَلِهِ ضَرير
فقيل :انشر .
فقال : بان لأخي أن يخطب لابنه أبي اليُمْن ، بعدما فارق الصّبوة ، وخشينا عليه الشّقوة ، فحمّلوني المسأله ، وقل لي كيف أسأله ، ومن بحق صحّ له ، فقال لي : بلى ! ياعم ، بنت الوسط ، وغيرها من الشطط . فقلنا رحْب و سَعه ، لعلّها أخت الذي كان مَعه..فولّينا الوجوه تجاه القبله .. ندبّ دبيب النملة في رفقة عِدْلَه ، معنا شيخ المقام وعميد الكلام أبو ادريس الذي سألتم ، يقول في كل شيء ، وكل لفظ بفيء. ، علّمته العوائد وأدّبته الشدائد ، فقال : ياعرب إنكم قد تأتون قوما فرسان كلام وأهل مقام ..أدنى خصالهم الاطعام ،فلا يتكلم عنكم من لا يحسن البادرة ويسوق النادرة ، فيَذكُرنا بريب ويشمت بنا بغيب ..فقلنا بأَجمعنا أنت أبوها اليوم ..فقال وجبت يا قوم .
وشارفنا على البيوت مع الغداء، فوجدنا ماوُصِفَ لنا من حفاوة ، يلبسون العريض ويتلون القريض ..وعادتهم يَصُفّون على الباب يستقبلون الأغراب ..فما أعجب منظرهم وأبهى مظهرهم..فدخلنا إلى رحبة ، كثيرة الوسائد مصَفّفة الموائد ..
واستبشرنا بهكذا اختيار ، وقلنا الولد صنو أبيه فهو نبيه ..يصاهر الأجواد ، واختار للأولاد ..فهكذا وذا كذا ، تكَلم أبو إدريس بعد الطّعام ، وقال في جملة الكلام : معاشر الكرام ..إنكم جمعتمونا إ كراما وإن جئناكم سوقا ، وإنَّ المنزلة لهيَ هي وإنّ الفخر لهُو هو، حيث وجدنا ما قيل ، وشايعها دليل ..وإنّا لنحبّ أن ننصرف عنكم وقد أتممتم بِرَّكُم بنا وخيركم علينا بقبول المصاهرة في كريمتكم الطاهرة على المطالب الحاضرة ، لولدنا أبي اليُمْن إن شاء الله ، فقولوا مايُدالي واختاروا ما يُوالي ..والتدبير قبل التعبير ، ومايكن منكم إلاّ ما أدخلتمونا به ، ونخرج عليه نورا على نور ، والسلام عليكم.
فتكلّم قائلهم بعد الحمد والتصلية بكلمة مقتضبة هِيه : أتكلّم عن عيبتي ومَن هم في ضيعتي ..ويشملهم حُكمي على ما اتُّفِق ، ولا تُنقَض بعد هذا عُقدة أعقدها ولا خصلة أسردُها..قبلنا بالولد للبنت على شرط الإحسان والبذل بالمعروف.. ثم نظر الى القوم وزاد : والعشرة الحسنة ،وأمهلونا سنة ، نجهزها لبعلها بالتمام ، والعاقبة السّلام ..
قال : وأنا في غمرة العجب ، أحمد الله في العرب ، فما ابهى واكمل كل ذلك في النسب.
وبينما أنا كذاك نادى عليّ ابن أخي في الهاتف فجفلتُ كالخائف . فقال : أقبلوا أقبلوا ..و...وذاك العقد يَبطل ، فلم أزل به حتى أسكته وهو يخور ، ورأوني متغيرا أدور ، فقيل خير يا فتى ..لاتعجل بالرحيل متى ..وذق من التمر أتى.
فقلت سأعود : فقلت : يا ابن أخي وقد أبرمنا العقود وحان الوفد يعود ..فأنباني ما الذي حصل؟ فقال : وجدتها مُعَلِّقَة وأُعجِبَتْ بمِلعَقَة لصديق في الفيسبوك ، ..فقلت وما الفيسبوك ؟.لا أعرفه ولا يعرفه ابوك !!..فقال : الفيسبوك ؟ هذا فضاء بين الهواتف ..من خيوط العنكبوت ، يجمع بين البيوت ، وكيت وكوت ، وفيه التقيت الفتاة .
فقلت : بينكما المسافات ، ومسيرة خمس ساعات لطائر في ثبات ولقيتها ، لا عليك من هذا الكلام لا ينفعك ..ومن تظنّ يسمعك ..وعدت لمكاني ..وهكذا وذا كذا رجعْنا الى الغرب على شد وجذب ؛ نختطف الدرب .
وعند القفول وبعد الوصول قيل :قد طلّقها في الفيسبوك في الثُقب المهتوك .فقلت :أثقب الأوزون ! أم ماذا يكون ؟ فقيل :لا !! كاميرا تلفون ..يراها وتراه وتسمع نجواه ، فقلت : واخجلاتاه ، ومتى كُشف النقاب ؟ وكيف خرجت من الباب وبينهما حجاب .؟
فلم أدر ما أقول ! أجنون ذا أم حبل مُجون ، واحسرتاه على المبذول ، والوفد المرسول واللحم المأكول والجيل المخبول.
فقلنا : وحديث الجماعة ؟
فقال : ضاع في البضاعة ، ولا يدرون السّاعة ، وقد أوهَمْت من أوهمتُ بعظم رميتُه في الخلاء ، وقلت الولد أصيب بداء ، فزوج ابنتك ممن تشاء ، وهل يصح أن نعتذر بهكذا عذر ، وأرحُمه الستر ، فأما أبو إدريس فقال : واتبعوا ابليس ، وضاعت بلقيس ، واسترضيناه بالدموع ليوافي الجموع .
فقلنا : لاحول ولا قوة الا بالله ، ذهبت الامة في تيه ، إن لم يدركها نبيه .فصاح منا من قال : ( عشق التاقة مايتلاقا واذا تلاقا غير زعاقا ).
تعليقات
إرسال تعليق