المقامة المخولة

             أخبرنا قدور ولد الربيع الموريتاني وكنا أضياف عقيقة في صحن حديقة ، وتحدثوا عن الكبراء واختلفوا أيهم براء ، وهم يتهمون العامة في المحنة التامة  ، لفساد الأخلاق والأذواق ، فأشار إلى رجل في المجلس وقال :والحديث للجماعة ، وإنما لك الخطاب لأنك الباب  ،وعنوان الكتاب ، وإنما يقرأُ الكتابَ عنوانُه وقد قيل :
               إذا كان رب البيت بالدف ضاربا..فشيمة اهل البيت كلهم الرقص .
            فقيل له : قد عَرِق الأصل فما الفصل ؟ فقال : حج خالي و انفصل ، وآب فقفل ، فلما الى البيت وصل ، هاتفتني امي لتهنئة أخيها .ولم ار خالي منذ عقلت .. وإنما أهل البداوة جفاة  لا يحتفون بالرحم  مالم يرم ..فاقتطعنا الوهاد ومشينا عرض البلاد ،وأنا اماشي الأم غير ملح عليها ، وفي نفسي ضيق من بعد المنشود وبيت المقصود وخوف موجود ، فلمحنا على البعد مراكب الضيوف  ، من كل لون تطوف ،وحمدت الله على الدنو ،واقتراب الرسو  ، وهكذا وذا كذا شارفنا على السديد ،وبشرتنا الزغاريد ، فقلت في نفسي : فأل خير ، ومسك السير ، والحمد لله لا غير  ..و تنفست الصعداء وزال الهم والعناء ، فما أعجلها علي .فقلنا :وكيف ذاك؟
              قال :ابتدرتنا الكلاب ، وكبر النباح وجاب .. هديرا هديرا ،  وانا اضرب ذات اليمين وذات الشمال ومن حيث امي ، واحلف على العصا منذ ذاك ..و أنادي في غلامين من اهل البيت : يا صعاليك شدوها علينا، وهم يضحكون وفي نفسي عليهم من الحنق ما كاد يذهب بالرمق ، حتى هدأت لرمية حجر من خلال الشجر ، وسكنَتْ غير بعيد ،والتفت الى الغلامين أعنفهما :يا جهلة ومصاب الجرب يحق عليكم ..أتلعبون ..؟ولم اكمل كلمتي ،وانهي شهقتي فأسمع من يقول :تعتلي رأسك وجلدك ،لعن الله جدك  ،مرحبا بعمتي ،فقلت :يا هناه ، ألا تصفّد هذه الوحوش ، وأين انت من وراءنا ؟، قال:انا صاحب الحجر ،وماذا تأكل منك الكلاب يا ضمر  ،هه زارتنا البركة يا عمتي  ، وقبل رأسها.
            ولم انتبه للصياح من وقع النباح ، وعلا الغبار عن بعد  وإذا برجلين يعتركان و يتنابزان ،ولم اعجب لمعتركين يضربان ويسبّان  ، وانجلى الغبار عن أحدهما فوق الاخر يحكمه إحكاما ويوجعه ايلاما ، فقلت : يا لطيف ما هؤلاء؟ فقال :أبناء خالك .فقلت :ألا تدرك ما بقي من المبطوح ؟ فقال:من ذا يقتل أخاه موح  ،لا عليك كلب  يملك نفسين روح ، أخبرني أين تعمل وماذا تعمل ؟
             فساءني ارتياحه وسعيت الى المعتركين ، في اصلاح ذات البين ..وقلت :إذا رأوني سيكفان لجاهي وقدري المتناهي ، وأنا اكلم الواقف : اتق الله في اخيك يموت تحتك.. فسبني ، وقلت لم يعرفني ، فقلت : انا ابن عمتك فلانة لها مكانة و... فشتمها ودفعني ، فهجمت  عليه أحيله عن اخيه وأنتصر لأمي ،  فلكمني ، وقام أخوه فصدمني وتعاونا علي ، وأقول : يا أبناء الخال ، بلا مقال تضرب ولا تُعرب ، على اهلها جنت براقش، وصحت :يا عرب ادركوني او فات الطلب .
        وخرج الرجل الكبير والحاج البعير يسبهما :يا أبناء الفاعلة التاركة الحنوط ،عليكم اللعنة قوم لوط ،ورفع يديه يدعو :النار تصلاكما يا رب  فلقهما ، بححت من الصباح ،الصمم يارب   ..الا تسمعون ؟؟ أنادي على الماء ، قل يا بعير  فيمن هرت الكلاب ،ومن ذا في التراب ؟ فقلت ونهضت أقبل رأسه  : حج مبرور وذنب معفور  يا خالي، فقال :اهلا بأختي  وتنحنح . ومن انت في ابناءها؟ فقلت :قدور ، فقال انا لا اذكركم إلا بالعدد ؟ كم انت فيهم ياولد ؟ فقلت الرابع ، والتفت الى ولده :مابال أنفك يسيل ؟ العراك يا خجر واين خلفتما البقر ؟ فقال احدهما ..كنا نمزح يا أبانا ،سنذهب بها ،ونادني احدهما :يدك معنا ،ماذا هناك ؟قال :ادفع معنا الجرار فلا يزأر الا بالكرار، وهكذا وذا كذا دفعناه وهما يضّاحكان في منحدر مكان  ، فزمجر وركباه ونظرت الى الثوب اعلاه ..وقد تمزق من فوق  ، من جانب الطوق.
         ودخلنا على جمع حضور ، والشيخ يدور ، فرحت أعين خالي ، وهو يقول : لو صرفت مالي في طرد جاري و الأرض التي أحتلها ، و لكن ما قولك مع الأفعى ،وصاح : تكر وتسعى ،لخمار يأتيها من مكة ، فصاحت من خلف الباب : الحج للعقلاء ، ومبلغك حمام بوظلعة واليوم الجمعة ، فقال : حقك.. فقد فات العتاب وتعرقت الأثواب ، لبستيها واستحال ردها والدنانير وعهدها ، بيعت الحمارة أرض القمح والربح .
         وقلت في نفسي : قد عرفت علة القوم من طلعة اليوم ، ابوهم وأمهم وعادتهم تبع لما ألفوا منهما ، وقد قال الأول :
وينشأ ناشئ الفتيان منا   على ماكان عوده أبوه


تعليقات

المشاركات الشائعة