شاعر الجزائر
شعراء الجزائر، ليسوا كالشعراء الآخرين،
... ذلك أن شعراء الجزائر اكتسبوا من طول الجفاء وقلة الإعتبار مناعة زادت من قوة
شاعريتهم ، فهم يقفون على أقدام البيان لعريكتهم الطويلة ، وكنت أقول الأمر نفسه
عن الشعب الجزائري كله ، لا لأنه ضحى بمليون ونصف مليون شهيد أو أن جبالنا تكسبنا
القوة ، بل لأن ظروف معيشتنا القاسية أكسبتنا قوة المجابهة ، فالوصف ينطبق على
السائقين والمعلمين والأطباء والعلماء ، فهم خدموا في أقسى الظروف لو كان يطاع
لقصير أمر .
إننا نحس أضعاف مايحس به
الآخر ويحق له أن يثرثر ليكون الجزائري قد فصل القول في نصف كلمة ، وعندما نسكت
لايعني أننا بهتنا ، بل نعطي الحق للسمع متأدبين مع من يتكلم معنا ، فلا يظن
المتكلم اننا نجهل مواقعنا في حمية الكلام .
الحمد لله على كل حال ، وعندما يكتشف الجزائري
نفسه على غير المسلك يكون وقع الصدمة أخف عليه من أن يقال له أنت مخطئ أو يشار
إليه بأنه من قديم و هو على درجة من الانحراف ، ثم أخيرا ،، محكوم عليه بحكم هو قتل في جميع
الأحوال ، لأنه حرص على استثمار كل دقيقة
من حياته في فن أو علم محسوب ، دقق فيه
وتعرف على قوة جانبه ، وتمرس فيه في مزبلة الإهمال ، يا سيدي تألمت حتى صار جسدي كله وطنا
للآلام ، ولم أجد في حياتي فرصة واحدة
تعينني على الحياة التي هي ملكي وحصيلتي .
قديما قيل : فإن كنت
مأكولا فكن أنت آكلي وإلا فأدركني ولم
أمزق ، والآن إقرأوا عن موتي في البحث عن حياتي ، لطالما كتبت الشعر وتدرجت فيه
حتى لم أجد صديقا أبث إليه شكواي طيلة عشر سنين غيره ، والشعر عندي بمثابة وافق شن طبقة ، فهو موهوب ومكسوب ، ولما
يقال لك أنت لست بشاعر والشعر حياتك فقد قال لك أنت لست بحي والحياة ذاتك ، ولقد مرت عليك سنين ، عرفت فيها أن
الإستعمار ليس فقط حجر على الأجساد بل هو أيضا إهمال الأرواح الحية ، وقد يفوق ذلك استعمار الأجساد ، ولن يستطيع أن يهب لك الحرية من رضي بمغانم الاستعباد
وصارت نفسه متآلفة مع جوه وترابه ، وهو في نفس الوقت حَكَم عليك وقاض .
إنني ماشاركت في شاعر
الجزائر إلا لأن الأستاذ سليمان خليلي في الواجهة فهو ذكرى بالنسبة لنا جميعا قبل
كل شيء ، وأحببناه من برنامجه " خاتم سليمان " و ما فكرتُ في يوم من
الأيام أن أظهر في أي عمل ليس فيه إلا مزيدا من الإهانة التي صنعتني شاعرا ...
كنتُ قوياً في وحدتي وباديتي ... كنتُ أرى نفسي البحتري لا يعمل شاعرا فقط وإنما
عاش سباكا للمعاني ...والآن حين أكتب أرى أن السبب الكفيل بإنهاء هذه العبارات
العاتبة هو التوقف عند أهم محطة في حياتي لأسجلها ، والواقع أن أيامنا تلك وأنت محروم
تعيش باليأس أفضل مما تظفره في أيام عصري بالامل و كان يُعطى للشاعر دور الجندي الذي يشغل ثغرة من ثغور البيان ليحميها وتم
إزاحته في قرار غير مفهوم .
لا أستطيع مناقشة الأستاذ
سليمان ، وما كان ليحاورني في تلك الجلسة وإنما كان في الحقيقة يأمرني وأمتثل
لأنني جعلته أستاذي ومرشدي بحكم تجريته التي عانى بها وفيها ، ثم أي فائدة من
دراسة النصوص الشعرية دون مراجعة الأحاسيس الوقادة التي كتبت واستخرجت ودمعت لتعطي
بيتا باكيا ، والله لكأني ما قلتُ شيئاً، ولا
كتبت شيئا وما كنت بحاجة لقول شيء. .رافقت الأمل صباح يوم جمعة إلى العاصمة
المحروسة وهناك تولت الأستاذة ربيعة جلطي أمر ملاحقة تقيدي بمنهجي الشعري واحزنني وضع
الشاعر باسيدي لنكتشف انفسنا أننا فعلا من سكان الأطلس الصحراوي الذين لا يحق لهم
أن يتفوقوا وإن فعلوا فبغير البيان ..وكان السفر من العاصمة إلى منزلي سفرا من لا شيء إلى اللاشيء ... وأدرك
شهرزاد الصباح .
تعليقات
إرسال تعليق